لا شك أن للموهبة دوراً فعالاً في بناء مستقبل الإنسان و توجيهه ورسم طريقه و مستقبله في الحياة و لكنها وحدها لا تكفى لكي يكون صاحبها ناجحاً متفوقاً في مجال هداه الله إليه، لأن الموهبة تحتاج إلى جهد و عرق و كفاح و إلى عوامل كثيرة حتى تحفظ الموهبة و تصونها.
فالصوت الحسن الجميل يحتاج إلى مجال لإظهاره.
ونحن الآن بصدد الحديث عن موهبة عرفت طريقها إلى النجاح منذ الطفولة وحددت طريقاً معلوماً قدر الله أن يكون طريق خير لا يختلف عليه اثنان، لأن هذه الموهبة ترتبط بالدين وكل ما يرتبط بالدين لا يجرؤ أحد أن ينكره، وخاصة إذا كان الهدف من ورائه إرضاء المولى عز وجل.
فالقرآن الكريم هو الدستور الباقي أبد الدهر إلى أن يرث الله الأرض و من عليها وهو خير الوراثين، فيه الأمن والأمان و الطمأنينة والسلام والسكينة و الاستقرار، هو النور الهادي والروح الساري والميزان القسط، من هدى إليه هداه الله إلى صراط مستقيم.
لقد قدر الله لهذا الطفل الموهوب – محمد جبريل – أن يشق طريقة إلى أعظم ما في الوجود، ليستخدم موهبته فيما ينفع الناس ويرضى الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، ومن تقرب إلى الله قرب الله الخير منه، وهداه إلى الصالحات ، ولأنه نشأ نشأة قرآنية خالصة وجد نفسه في حضن القرآن، يصبح على هديه ويمسى على سكينته، ويتحلى بوقاره وجلاله وعظمته.
ولم يكتف الطفل الموهبة بحفظه للقرآن، وإنما أراد الله له أن يضيف إلى الحفظ معرفة أحكام التلاوة والتجويد والترتيل حسب القواعد التي وضعها علماء القراءات، بما يتفق مع قواعد القرآن التي نزل على قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بلسان عربي مبين.
وبعد ما حفظ القرآن بأحكامه المتقنة أخذ ينمى الموهبة بالتدريب على الأداء الملتزم، فوجد ذلك في بيت الله فواظب على الصلوات في أوقاتها، وينتظر الفرصة ليؤم المصلين إذا تخلف إمام المسجد، فيكون بذلك نال الخيرين: الأول انتظار الصلاة، والثاني صلاة الجماعة، فوجد حلاوة الإيمان في ذلك وأصبح من رواد المساجد الذين إذا مروا على الناس عرفت بهم أوقات الصلاة، فلما كان الطفل محمد جبريل يمر على أهل قريته في طريقه من البيت إلى المسجد بملابسه البيضاء ومظهره الحسن اللافت للنظر كان الناس يعرفون أن موعد الأذان قد أقترب.
وذات يوم والمصلون ينتظرون الصلاة تخلف الإمام الراتب لأمر يعلمه الله، فتأخرت الإقامة قليلاً حتى التفت الجميع إلى أحفظ الموجودين للقرآن واتجهت الأنظار كلها إلى طفل الثانية عشرة وطلبوا منه أن يؤمهم في الصلاة. فلم يتردد أبداً، لأنه يحفظ القرآن حفظاً محكماً وصوته جميل يساعده على القراءة التي قد يستحسنها المصلون ويطربون لها وتقدم الطفل الموهوب محمد جبريل وصلى إماما وقرأ الفاتحة ثم بعضاً من آيات الذكر الحكيم، فأستحسن الناس صوته وتلاوته، وتمنى المصلون أن يكون هذا الطفل إماماً لهم.
وبدأ المحيطون بالشيخ محمد جبريل - وخاصة والده – يشعرون أنه سيكون نجماً بازغاً في المجال القرآني، فتولاه والده برعايته وتوجيهه ونصحه وإرشاده، خاصة في هذا السن الذي يحتاج الطفل فيها إلى حسن توجيه.
وتناقل الناس أخبار صاحب الصوت العذب، وتوجهت إليه الأنظار من المحيطين به، ليصبح قارئاً و إماماً ومتسابقاً بين زملاء دراسته و اشتهر داخل محافظه القليوبية، و امتدت شهرته إلى القاهرة لقربها من بلدته طحوريا مركز شبين القناطر، لأنه اشترك في كثير من المسابقات وحصل على المركز الأول في كل مسابقة اشترك فيها.
ولأن الموهوب في حفظ القرآن وتلاوته كالمسك يفوح أريجه ليسبقه معلنا عنه، فإن شهرته وصلت إلى خارج مصر، فجاءته دعوة من الأردن فلم يتردد وذهب إلى هناك، ولم يكن يعلم أن شهرته العالمية ستكون بدايتها في هذا البلد الشقيق.
ومع مرور الوقت وزيادة الخبرة أصبح صوت الشيخ محمد جبريل قمة في الجمال و القوة في مقاماته و طبقاته و درجاته المتعددة و حسن استغلاله للإمكانيات التي أودعها الله إياه، مع الالتزام التام بأحكام التلاوة.
وساعد على شهرته وكثرة محبيه أنه أتى بالجديد في التلاوة، بأسلوبه الخاص وطريقته المميزة في التعامل مع قلوب المصلين، و ساعده على ذلك قوة إيمانه ورقة قلبه وشدة حبه لكلام الله تعالى وقوة حنجرته ( ما شاء الله ) و عذوبة صوته وذكائه وفهمه لتلاوة القرآن وكيف يتعامل مع معاني الآيات و ما توحي إليه، و قوة التصوير وبراعة التعبير و نعمة القبول من الله ثم عباده وفهمه ( للسلم الموسيقى ) عند الصعود من القرار إلى الجواب والنزول من الجواب إلى القرار، مستعيناً على ذلك بإمكانيات صوته العالية، فيبدأ التلاوة بصوت ليس بمنخفض ولا هو مرتفع ثم يرتفع به درجة واحده أو درجتين ويصعد به إلى أعلى درجه قد تصل إلى جواب الجواب أحياناً، لدرجة ينقبض معها القلب، لأنها ليست درجة لاستعراض إمكانيات الصوت ولكنها درجة يريد بها تصوير الموقف كأنها استغاثة خرجت من القلب من هول الموقف، فتصل إلى قلب المستمع تنبه الغافل أنه بين يدي الله في كل وقت لا في الصلاة فحسب.
كل هذا و الشيخ محمد جبريل يحتفظ بجمال صوته الذي لا تفارقه العذوبة و النعومة والتلألؤ، مع اختلاف التعبير بفضل الله عز وجل.
ولهذا كله استطاع الشيخ محمد جبريل – من خلال المحافظة على موهبته أن يجمع وراءه آلاف المصلين ليتمتعوا بحسن أدائه وجلال صوته.
الأمر الذي يدل على أن الشيخ محمد جبريل صاحب مدرسة خاصة وفريدة أسسها من خلال موهبة أنعم الله بها عليه، وهو أن محبي الشيخ محمد جبريل وعشاق صوته و أدائه من نوع خاص، فهم المصلون الذين يخرجون من بيوتهم تاركين كل ما يتصل بالدنيا من أهل وولد ومال وتجارة وصناعة ومتاع إلى زاد لا ينفذ أبداً، إلى تجارة خاصة وهى التجارة الرابحة التي يمثل طرفها الأخر طاعة الله عز وجل.
تلاوة القرآن في الصلاة تحتاج إلى براعة فائقة إلى براعة إذا كان القاريء له جمهوره ومحبوه من المستمعين بعد المصلين، مع الإلزام بأصول علم القراءات ومعاني الآيات التي يتلوها وهذا ينطبق على الشيخ محمد جبريل الذي يؤم المصلين لأكثر من ساعتين في صلاة واحده يتوجها بدعاء معد بطريقة فنية عالية المستوى وتناسق منظوم كعقد فريد لا يخرج عن أداء فني نغمى، يعتمد على مقامات متناسقة تفاجىء السامع بمسارات فنية ليس لها نظير، كل هذا في كفاءة و اقتدار يجعلان السامع يتفاعل مع الموقف العظيم الذي صوره هذا القارىء الموهوب الذي يجعلنا جميعاً نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.