داخل مكتبة الشيخ محمد جبريل وفى ساعة كلها صفاء تحدثنا في أكثر من موضوع، وسألته عما إذا كان هناك مواقف كان من الممكن أن تعترض طريقه في البداية خاصة في مرحلة الصغر كان من الممكن أن تقضى على الموهبة في مهدها؟
قال الشيخ محمد جبريل: الحمد لله رب العالمين، فالالتزام هو الطريق السليم للقبول عند الله، ثم عند الناس فالإمام يحب أن يكون ملتزماً في كل شيء، في مظهره، في وقوفــه بين يدي الله وأمام الناس، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: ((صلوا كما رأيتومنى أصلى)) فالإمام يقف موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) لذلك لابد أن يكون مقتدياً بالرسول (صلى الله عليه وسلم) في كل شيء. فالحمد لله لم أجد في هذا الأمر ما يعكر الصفو لأنني بفضل الله كنت ملتزماً في كل شيء.
أيضاً كنت ملماً بالسنة وبعض الأحكام الفقهية حتى تساعدني على أداء هذه الرسالة التي أختصنى المولى تعالى بها، فسبحان الحافظ، فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
دار بخلدي أن إماماً يصلى وراءه أكثر من نصف مليون مصلِِ ويقرأ القرآن بالترتيب لابد أن تشابه عليه بعض الآيات أو ينسى أو تحدث له رهبة من جلال الموقف فقلت له:
هل كنت تشعر بالرهبة وأنت تصلى إماماً بألآف المصلين ؟
رد على ذلك أولاً بابتسامة خفيفة وكأنه يقرني على قولي وقال: إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كانت تحمر وجنتاه عندما كان يخطب في الناس أو يقف بهم إماماً – وكمــا قلت، ففي هذا الموقف أشعر كأن هناك واحداً يصلى خلفي وأنسى أن ورائي جمع من المصلين، وأعيش في ملكوت أخر مع كل كلمة أقرأها من كلام الله، فلا أفيق إلا بعد فترة لأن هذا الموقف يحتاج إلى خوف وخشوع ورهبة وصدقني وكأن بي برد السكينة وأنا أصلى بالناس لأنه موقف عظيم وقفه رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
والإمام كي يأخذ عنه الناس ويتأثروا به لابد أن يكون قدوة في كل شيء السلوك والمظهر العام.
وإذا كان الإمام مستقيماً تقياً متواضعاً – نسأل الله أن يرزقنا ذلك وجميع المسلمين – فإن صوته يصل إلى القلب، فالحــمــد لله رب العالمين منذ عـام 1988 وأنا أصلى بالناس بمسجد عمرو بن العاص والذي أصبح لا يسع المصلين ونحتاج إلى مساحة مثل مساحته حتى يسع المصلين وأظن أنه لا يوجد مسجد كمسجد عمرو بن العاص من حيث المساحة وخاصة بعد ما أستخدم الناس المنطقة المجاورة للمسجد في الصلاة وهى تقدر بـ 12 فـداناً (المسجد وما حوله).
وفى ليلة القدر تمتلىء الشوارع المجاورة للمسجد بالمصلين حتى نفق الملك الصالح لأن عـدد المصلين يقترب من 500 ألف مصل (نصف مليون) وهذا شيء طيب ومكانة مصر كقلب الأمة الإسلامية ومهد لحضارتها فهي بلد الأزهر الشريف والحمد لله على هذه النعمة.
فضيلة الشيخ محمد جبريل ؟ ما هي الشروط الواجب توافرها في الإمام حتى يكون إماماً ناجحاً ؟
الإخلاص أولاً ثم المعايشة والتفاعل مع ما يقرأه وألا يشتغل بالمصلين من خلفه وكأنه يصلى بمفرده حتى يصل بصلاته إلى بر الأمان فيرضى عنه المولى عز وجل وينال القبول. ويجب أن يكون متمكناً حافظاً للقرآن حفظاً متقناً محكماً وإذا قرأ يختار المقام بمعنى: إذا قرأ آيات زجــر أو ترهيب وترغيب يحث الناس على الفضيلة، يخوف الناس من العذاب وهو الموقف. فعلى كل من يريد أن يؤم الناس أن يكون حافظاً للقرآن حفظاً محكماً وأن يكون ملماً بالأحكام وأن يتقى الله ويكون مخلصاً له وعليه أن يعلم بأن الله معه في كل وقت وحين وأن يدخل الصلاة وكأنه يصلى بمفرده ولا يفرح بالجموع الكثيرة من خلفه لأنه كلما زاد العدد زادت المسئولية أمام الحق تبارك وتعالى. فنصيحتي أن يترتب وأن يكون ملماً بكل العوامل التي تؤهله لهذا الموقف العظيم.
ولابد أن يكون ملماً بأحكام الصلاة وأمور الدين حتى يكون متمكناً لأن الإمام قائد فيجب أن يكون محل ثقة الناس قوى الصلة بالله عز وجل قريباً من الله، لأن القريب من الله يكون قريباً من الناس، وعليه أن يبتغى بهذا العمل وجه الله لا وجه الناس، فما كان لله دام وما كان لغير الله انقطع و انفصل.
س: أنت داعية من نوع فريد جديد محبب إلى القلوب.. فهل فكرت يوماً فى أن تكون خطيباً أو محاضرا ؟
قلت من قبل إني أحب التخصص وأؤمن به وأحترمه، ولو أن كل إنسان اهتم بتخصصه والتزم به لرفع شأن الإسلام والمسلمين، فالحمد لله الذي اختار لي هذا الطريق وهو إمامتي للمسلمين في الصلوات، وكنت أتمنى منذ الصغر أن أكون من أهل القرآن لأصل فيه إلى أعلى مستوى لكي أكون نافعاً للمسلمين فكلما كنت أتقدم للصلاة وكأنني أتقدم لأول مرة مهما بلغت من القدر. يجب أن أكون متواضعاً. ولقد وجدت ذلك كثيراً مع نفسي كأنني أصلى لأول مرة، فالحمد لله رب العالمين.
س: فضيلة الشيخ محمد جبريل نسمعك تؤم المصلين وتقرأ للقرأن فى التراويح وما يشاء الله لم تخطيء ولم ترتبك ولم تتلعثم ولم يتغير صوتك ولا أداؤك، النهاية كالبداية ما يشاء الله فما سر ذلك ؟
السر هو توفيق الله عز وجل ثم الإخلاص ثم الإخلاص ثم الإخلاص، لابد أن أقول لك إن برنامجاً خاصاً لمراجعة القرآن الكريم كما علمني شيخي رحمه الله الشيخ عامر عثمان وأعطاني قاعدة القول: (فمي مشوق) وهى عبارة عن رموز أوائل سور معينة أبدأ بها تقسيم السور عند ختم القرآن كل ستة أيام مرة، فهي تعنى من الفاتحة إلى المائدة إلى يونس ومن يونس إلى مريم ومن مريم إلى الشعراء ومن الشعراء إلى ق ومن ق إلى أخر القرآن الكريم، أي أنني أختم القرآن كل ستة أيام أي 5 مرات كل شهر. وصدقني أخي الكريم أنني كلما أعيد القراءة كأني أقراءة لأول مره والقرآن دائماً بكر ولا يمل من قراءته وهو يحتاج إلى التواضع في قراءته وإذا اعتقدت أنك عالم فسوف تخطيء حتى في الفاتحة.
س: فضيلة الشيخ محمد جبريل: عندما كنت تؤم الناس في رمضان في صلاتي العشاء والتراويح وخاصة ليلة القدر تبكى بكاءاً شديداً ويبكى كل المصلين حتى أنهم ينتحبون انتحابا، فهل هذا كله بكاء أم هناك تباكيا ؟
أنت سمعت بنفسك وعشت الموقف وهو في كلتا الحالتين جائز كما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم)
س: نحن نسأل الإمام نفسه الذي يبدأ بالخشوع ثم الدموع فالبكاء والتأثر، فماذا يقول من أبكى الآلاف خلفه من المصلين والملايين عن طريق الإذاعة؟
يا أخي الكريم: الفضل لله أنا أحس بما أقول وأنفعل به وأعيش الموقف كأنه مصور أمامي وأقرأ القرآن بقلبي وما خرج من القلب وصل إلى القلب والقرآن يرقق المشاعر، فمن فضل الله أنى ألمس حال الناس وحاجتنا إلى الدعاء وإلى شفاعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويجب على الإمام أن يتفاعل مع ما يقرأه من القرآن، فهناك آيات تحتاج إلى خوف ورجاء وأيان تحتاج إلى حنان ولطف ومــودة كآيات الرحمة، يعنى بمعنى أصح يجب أن يتعايش مع آيات القرآن لكي يتعايش معه من يسمعه وعندما أقرأ آيات الرحمة أتمنى أن أكون من هولاء العتقاء الذين يرحمهم الله وبالتالي آيات الجنة أتمنى أن أكون من أهلها.
س: فضيلة الشيخ محمد جبريل: لو طلب منك أن تقرأ قرأن الجمعة مجوداً أو أن تقوم فى الناس خطيباً أو يطلب منك أن تؤدى تواشيح وابتهالات وكلها عوامل للدعوة.. فماذا تفعل ؟
قلت لكم أنا أؤمن بالتخصص وإذا قدر لي أن أكون خطيباً فسأكون مضطراً. مثلاً كنت فى الأردن وكان السيد وزير الأوقاف الأردني موجوداً بالمسجد فتأخر خطيب الجمعة وشعائر الصلاة مذاعة عبر موجات الإذاعة والتليفزيون على الهواء مباشرة فنظر إلى المصلون فماذا أفعل؟!
صعدت المنبر وحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قرأت سورة ق وقد فعلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فما دام القرآن معنا سنكون موفقين إن شاء الله ولكن كما قلت أنا أؤمن بالتخصص.
س: فضيلة الشيخ محمد جبريل: ما هو حجم المسئولية التي تقع على الإمام إذا اتسعت شهرته وكثر محبوه والمصلون من خلفه ؟
المسئولية ستزيد، تواضعه يجب أن يزيد لكي يكون عند حسن ظن الناس به، وعليه أن يكون صاحب عزة وكرامة وشخصية قوية محبوبة ليحافظ على مكانته الشريفة، وعليه أن يبتعد عن الكبائر والصغائر حتى يؤثر في الناس قبل الصلاة بهم.