عبقرية أم معبد..
مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طريقهما يوم أن هاجر إلى المدينة بخيمة أم سعيد الخزاعية.. وكانت امرأة قوية الأخلاق، عفيفة تقابل الرجال وتتحدث معهم، وكانت سنة عجافا فلم تجد ماتعطيه للركب الكريم، وهي لا تعرف الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا من معه..
فلما رأى الرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة في ركن الخيمة سألها: (ما هذه..؟، ياأم معبد ما هذه الشاه..؟)،
قالت: (خلفها التعب من الغنم..)،
قال: (أتأذنين أن أحلبها..)، قالت: (نعم..)،
فسمى الله، ومسح ضرعها، وقال: (اللهم بارك لها شاتها..)،
فامتلأ ضرع الشاة وامتلأ الإناء، فسقى أم معبد حتى رويت،
سقى أصحابه حتى رووا: "أبوبكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أريقط"،
ثم شرب وقال: (ساقي القوم آخرهم..)،
ثم حلب لها مرة أخرى، وترك الإناء مليئاَ..
فلما غادروا وحضر زوجها بأعنز عجاف، تعجب وقال:
(من أين لكم هذا ولا حلوبة في هذا البيت..؟)،
فقالت: (لقد مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت..)،
قال: (والله إني لآراه صاحب قريش الذي يطلب.. صفيه لي ياأم معبد..)،
فقالت: (رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، مبتلج "مشرق" الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة "ضخامة البطن"،
ولم تزر به صعلة "لم يشنه صغر الرأس"، وسيم قسيم، في عينيه دعج،
وفي أشفاره وطف "طويل شعر الأجفان"، وفي صوته صحل "رخيم الصوت"،
أحور أكحل أزج أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطح "ارتفاع وطول"،
وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء،
وكأن منطقة خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق فصل لانذر ولاهذر "لاعي فيه ولا ثرثرة في كلامه"،
أجهر الناس وأجملهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب،
ربعة "وسط مابين الطول والقصر" لا تشنؤه "تبغضه" من طول، ولا تقتحمه عين "تحتقره" من قصر،
غصن بين غصنين، فهو انضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً،
له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره،
محفود "يسرع أصحابه في طاعته"، محشود "يحتشد الناس حوله"،
لاعابث ولامفنذ "غير مخزف في الكلام"..
قال أبو معبد: (هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره.. ولوكنت وافقته يا أم معبد لتلمست أن أصحبه..)
ولا أريد تعليقاَ مني على كلام أم معبد، حيث تجلت عبقريتها في أن نقلت لنا وصفاَ دقيقاَ لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وكأنها تحمل كاميرا مصورة بلغت في تقنيتها أعلى درجة بل زادت عليها ألفاظاَ خلابة وأسلوباَ بليغاَ..
هلا علمنا وأولادنا، وبناتنا لغتنا الجميلة، حتى يتذوقها الواحد منهم فيحب لغته، وبالتالي يحفظ كتاب الله عز وجل..!!
ولعلها همسة في أذن الرجال: هل رأينا من بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسقيه..؟
إنما بدأ بأم معبد لأنها الجانب الأضعف..
وبمن ختم السقاية إنما تواضعاَ منه، كان أخرهم شراباَ..
هلا درسنا سنته وتتبعنا أدبه وسمو خلقه ومعاملاته..
صلى الإلـه ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد.
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد.
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد.
فيا لقصي ما زوى الله عنكمو ... به من فخار، لا يحاذى وسؤدد.
وقد غادرت وهنا لديها بحالب ... يرد بها في مصدر ثم مورد.
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكموا إن تسألوا الشاة تشهد.
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرع الشاة مزيد.
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليه ويقتدي.
ترحل عن قوم، فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد.
هداهم به-بعد الضلالة- ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد.
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى، حلت عليهم بأسعد نبي.
يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلوكتاب الله في كل مشهد.
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد.
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد.
ويهن بني كعب مكان فتاتهم ... ويقعدها للمؤمنين بمرصد.
*مقالة لفضيلة الدكتور عمر عبد الكافي..
- إدخل بإسمك أو قم بالتسجيل لإضافة تعليق






